العودة إلى المكتبة

شرح فتح المجيد على كتاب التوحيد

شرح فتح المجيد على كتاب التوحيد — المجلد 8

أحمد لطيبة

مادة تعليمية منشورة في مكتبة بصائر.

مجلدات السلسلة

اسحب أفقيًا لاختيار مجلد

الفصل 1 من 4

النص المستمر — مقطع القراءة 1

تقدم القراءة

2%

صفحة القراءة 1 من 12

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة (أحمد حطيبة)

القسم: العقيدة

الكتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

المؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة

مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

النص المستمر — مقطع القراءة 11 / 12

http://www.islamweb.net

[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 13 درسا]

تاريخ النشر بالشاملة: 15 جُمادَى الآخرة 1432

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 8(ص: 1)

شرح كتاب فتح المجيد -‌‌ تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

النص المستمر — مقطع القراءة 12 / 12

توحيد الله سبحانه وتعالى يتضمن توحيده في العبادة والربوبية، وأن نصفه بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة من أسماء وصفات من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، وكل معبود من دون الله تعالى في الحقيقة فهو يعبد الله سبحانه ويرجوه؛ ولذلك يجب على المؤمن التبرؤ من الشرك وأهله، قبل أن يتبرأ يوم القيامة فلا يقبل منه، وطاعة غير الله واتباعه معناه: اتخاذه رباً من دون الله، وهذا شرك بالله سبحانه.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 8(ص: 2)

‌‌معنى التوحيد وأقسامه

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.

النص المستمر — مقطع القراءة 13 / 12

وقول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57] وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف:26 - 28].

هذا الباب هو الباب السادس من كتاب التوحيد وفيه تفسير توحيد الله سبحانه وتعالى، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

فالله عز وجل هو الإله، ومعنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، وتوحيد الألوهية من توحيد العبادة: وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وذكرنا قبل ذلك أن الله عز وجل هو الإله سبحانه، بمعنى: المعبود، وغيره آلهة باطلة يعبدها أهل الشرك، وهي لا تستحق العبادة، فلما تقول: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا إله واحد وهو الله سبحانه.

وتوحيد الألوهية مقتضاه: أن العباد يتوجهون إلى الله سبحانه بالعبادة.

وتوحيد الربوبية مقتضاه: أن الله سبحانه وتعالى وحده الرب الذي ينفرد بالخلق، وبالأمر، وبالتشريع، وبالتدبير للكون، وبتربية خلقه وتنشئتهم سبحانه، وأن يرزقهم ويعطيهم وينفعهم، ويضرهم، ويمنعهم ويعزهم ويذلهم، ومقتضى أنه رب: أنه يفعل أفعالاً سبحانه وتعالى لا يقدر أن يفعلها غيره.

النص المستمر — مقطع القراءة 14 / 12

ولله الأسماء الحسنى، فتوحيد الأسماء والصفات: أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك) فالله واحد سبحانه وله أسماء حسنى كثيرة، يقول: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي) فالله عز وجل له الأسماء الحسنى، وفي الحديث: (إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).

إذاً: فتوحيد الأسماء والصفات يتعلق بأسمائه، وله أسماء كثيرة وصفات عالية عظيمة، كلها له وحده سبحانه وتعالى، فنصفه بما وصف به نفسه، ولا ندخل في صفاته سبحانه وتعالى متوهمين ولا متأولين ولا محرفين ولا نافين، ولكن نثبت له ما أثبت لنفسه سبحانه على المعنى الذي علمه وعلم خلقه إياه، فتفسير التوحيد: أن توحد الله سبحانه وتعالى في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، فهو الإله الواحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكلها ترجع إليه وحده لا شريك له، ولا يشابهه فيها أحد من خلقه، فهو متعال عن الألقاب والأنساب والأشباه والنظائر سبحانه وتعالى.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 8(ص: 3)

‌‌تفسير قول الله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)

النص المستمر — مقطع القراءة 15 / 12

وتفسير قول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء:57] أي: أولئك الذين يدعون من المشركين، يعني: هؤلاء الذين يطلب منهم المشركون النفع والضر يبتغون إلى ربهم الوسيلة، والمشركون عبدوا غير الله، واليهود عبدت عزيراً من دون الله، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30] فالمسيح وعزير ممن يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني: يعبدون الله ويتقربون إليه ويرجون المنزلة عنده سبحانه، ويتوسلون بالأعمال الصالحة للقبول عنده وللقرب منه سبحانه وتعالى.

النص المستمر — مقطع القراءة 16 / 12

فقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء:57] يعني: يسارعون إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ويتسابقون إليه، سواء كان المسيح أو العزير أو الملائكة أو الجن، ولذلك جاء فيها من كلام بعض الصحابة كـ ابن عباس رضي الله عنهما أن أناساً من المشركين كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن وبقي هؤلاء على شركهم، والمعبودون الذين عبدوا من دون الله لم يرضوا بذلك، وعبدوا الله وحده، وهؤلاء المشركون ما زالوا في عبادتهم لهؤلاء الجن الذين أسلموا، قال سبحانه في هذه العبادة: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء:57]، والعبادة تكون على الرجاء والرهبة، فتحب الله عز وجل وتخاف منه، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل، أي: كمال الحب مع كمال الخوف، وكمال الرغبة مع كمال الرهبة، فتحب ربك وأنت تخاف منه سبحانه وتعالى، فهؤلاء من ملائكة ومن رسل كرام عليهم الصلاة والسلام ومن جان عبدوا الله سبحانه وتعالى راجين رحمته خائفين من عقوبته، فالإنسان الذي يعبد الله حق العبادة يكون خائفاً منه سبحانه راجياً له، قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57] يعني: المؤمن يحذر من عذاب الله، ومن اطلع على هذا العذاب منه، ولذلك (لما خلق الله سبحانه الجنة والنار أمر جبريل أن يذهب فينظر إلى الجنة، فنظر إليها ورجع قال: لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم خلق النار وأمره أن يذهب فينظر إليها، فنظر إليها ورجع، فقال لربه سبحانه: لا يدخلها أحد) فالله عز وجل جعل الجنة حولها المكاره، وحفت الجنة بالمكاره، وجعل النار حولها الشهوات، وحفت النار بالشهوات، وأمر جبريل أن يذهب فينظر فرجع فقال عن الجنة: أخشى أن لا يدخلها أحد من كثرة المكاره التي حولها، والنار من كثرة الشهوات التي تؤدي إليها قال: أخشى أن يدخلوها، يعني: كلهم.

النص المستمر — مقطع القراءة 17 / 12

فالغرض: أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن عذابه وعن ناره أنها كانت محذورة، قال تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]، فمن اطلع حذر، لذلك جبريل يقول: لو سمعوا عنها ما دخلوها، بسبب نسيان العذاب والشهوات الكثيرة التي يقدم الإنسان عليها وينسى ربه سبحانه وتعالى.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 8(ص: 4)

‌‌تفسير قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)

وقول الله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف:26] {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:27]، هذا إبراهيم إمام الحنفاء وأبو الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال لأبيه وقومه وهم على كفرهم: إنني براء مما تعبدون، يعني: أبرأ إلى الله مما تعبدون، ففيها التبرأ من الكفر ومن أصحابه، قال تعالى: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف:26] إلا إله واحد أعبده وهو الله سبحانه الذي خلقني فهو يهدين، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:27] وجعل هذه الكلمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتبرأ مما يعبد من دون الله سبحانه كلمة باقية في عقبه من الأنبياء ومن الخلق إلى يوم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 8(ص: 5)

النص المستمر — مقطع القراءة 18 / 12

‌‌تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)

كذلك قول الله سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31]، الحبر: هو العالم، والراهب: هو العابد، فهؤلاء أهل الكتاب اتخذوا علماءهم مشرعين يشرعون لهم مع الله سبحانه وتعالى، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم كذلك قدوة يقتدون بهم فيما حرم الله فيحلونه، وفيما أحل الله فيحرمونه، فاتبعوهم في ذلك وصارت لهم ديانة، غيروا الملة والدين، كما فعل بولس في الملة النصرانية فأحل لهم كل شيء حرمه عليهم المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلا أشياء قليلة، فاتبعوه على ذلك وجعلوه رسولاً من رسل الله سبحانه وتعالى وكذبوا في ذلك، فاتبعوه وقد أحل لهم ما حرم عليهم المسيح صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك اليهود اتبعوا كبراءهم من أحلوا لهم ما حرم الله سبحانه، فإذا بهم أمام النبي صلى الله عليه وسلم يعترفون بأنهم حرفوا في التوراة حين سألهم عن الرجم قائلاً لهم: (أما تجدون في كتابكم الرجم؟ فقالوا: لا)، وأشهدهم النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأقسم عليهم بالله سبحانه، وجاء قارئهم يقرأ التوراة ووضع يده على آية الرجم حتى لا يقرأها، وهؤلاء هم اليهود الكذابون لعنة الله عليهم، فلما قال له أحد الجالسين: ارفع يدك، فرفع يده وقرأ آية الرجم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشهد الله سبحانه أنه أول من أقام ما أمر الله عز وجل به، وقد بدله أهل الكتاب.

النص المستمر — مقطع القراءة 19 / 12

فإن أهل الكتاب حرفوا كتب الله باتباعهم الكبراء الذين فيهم، والبعض منهم برؤوسهم وبأهوائهم قالوا: إن فينا قبائل قوية وشريفة وفينا قبائل قليلة وضعيفة، فالشريف إذا سرق تركوه، والضعيف إذا سرق أقاموا عليه الحد، وأرادوا أن يضعوا حكماً من دون الله، فقالوا: نلغي الرجم الذي قاله الله ونسخم وجوههم، وننكسهم على دابة، ونفضحهم بين الناس، فهذا الذي شرعوه من دون الله سبحانه وتعالى، واتفقوا عليه، وكفروا بالله العظيم سبحانه، وبدلوا شرع الله واستحلوا ما حرم سبحانه وتعالى.

كذلك قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:183] فأهل الكتاب كان كتب عليهم الصيام كما كتب علينا نحن فإذا بهم يبدلونه ويحرفونه، يمرض أحد أبناء ملوكهم فينذر الملك لله سبحانه أنه إذا شفى الله ابنه أن يزيد في هذا الصوم، فزاد في الصيام أياماً؛ بسبب أن الله شفى ابنه، ويشرع لهم على ذلك بدلاً من أن يكون شهراً واحداً يقول: اجعلوه أربعين يوماً، كذلك إذا جاء الصيام في وقت الصيف، يجعلونه في الشهور المعتدلة في السنة ويجعلونه ستين يوماً، ويأكلون ويشربون في النهار، ويحرمون ما فيه الروح فقط دون غيره، فيفعلون ذلك معتقدين أن من حقهم أن يحلوا وأن يحرموا مع الله سبحانه، فكفروا بهذا الشيء، فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] يعني: مشرعين؛ لأن من صفات ربوبية الخالق سبحانه وتعالى أنه رب يفعل ويأمر، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] سبحانه وتعالى، أمره: افعل ولا تفعل، أمره: التشريع، أمره: كن فيكون، فمن جعل لأحد سوى الله سبحانه أن يأمر ويشرع فقد جعله إلهاً من دون الله وجعله رباً من دون الرب العظيم سبحانه وتعالى.

النص المستمر — مقطع القراءة 110 / 12

ولذلك عدي بن حاتم لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وقد سمع هذه الآية: يا رسول الله لسنا نعبدهم؟ فقال: (أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى) وأقر واعترف بأنهم يفعلون ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتلك عبادتهم)، إذاً: عبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم لم تكن بصلاة وصيام وركوع وسجود، وإنما كانت بطاعة في مخالفة أمر الله سبحانه، وباعتقاد أن هؤلاء يملكون أن يشرعوا من دون الله سبحانه وتعالى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول الله سبحانه {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين)، هذه القسمة تفهم القارئ ما الذي يقصد بهذه الآية، ومن يلحق بأمثال هؤلاء ومن الذي يخرج من الدين، ومن الذي لا يخرج منه، يقول: يكونون على وجهين، أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله)، يعني: الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وهم عالمون بأنهم يفعلون خلاف ما قضى الله عز وجل به، فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، إذا فعل الكبراء ذلك واتبعهم أشياعهم عليه معتقدين أنهم يملكون ذلك، وهو من حقهم ذلك.

قال: (مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يصلوا ويسجدوا لهم، أي: ليس شرطاً أنه يصلي أو يسجد له، ولكن يعتقد أنه يملك أن يحل وأن يحرم، فالله يقول: هذا حرام، وهذا الإنسان يقول: لا، هذا حلال، الله يقول: هذا حلال، وهذا الإنسان يقول: هذا حرام، ومن اعتقد أن هذا يملك ذلك فقد كفر، ومن فعل أيضًا فقد كفر مع علمه بأنه خلاف ما قضى الله عز وجل به.

النص المستمر — مقطع القراءة 111 / 12

يقول: (الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله) معناه: المعصية، وليس هو الكفر الذي يخرج الإنسان من الملة، فهو كفر دون كفر، إذْ علموا أن الله حرم ذلك وعلم هؤلاء المتبعون أنه ليس من حق أحد أن يحل وأن يحرم إلا الله سبحانه وتعالى، ولكن لما وجدوا من أحل الشيء اتبعوه في ذلك، ليس لأنهم يملكون ذلك، ولا لأن الله يريد ذلك، ولا لأنه شرعه، ولا لأن هؤلاء يشرعون مع الله، فهم يعرفون أن هؤلاء بشر ولكن اتبعوهم حباً في المعصية، فهؤلاء هم الفريق الثاني، الذين لم يعتقدوا تحليل ما حرم الله، ولم يعتقدوا أن إنساناً يملك أن يحل ما حرم الله سبحانه ولا أن يحرم ما أحل الله.

ويقول شيخ الإسلام: (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ).

النص المستمر — مقطع القراءة 112 / 12

اسحب أفقيًا بين صفحات القراءة، أو استخدم زري التالي والسابق.

يُحفظ الفصل والصفحة الحالية في حسابك.

ملاحظتي على الكتاب

تُحفظ الملاحظة في علامتك المرجعية الخاصة، ولا تظهر للطلاب الآخرين.