العودة إلى المكتبة

شرح فتح المجيد على كتاب التوحيد

شرح فتح المجيد على كتاب التوحيد — المجلد 5

أحمد لطيبة

مادة تعليمية منشورة في مكتبة بصائر.

مجلدات السلسلة

اسحب أفقيًا لاختيار مجلد

الفصل 1 من 2

النص المستمر — مقطع القراءة 1

تقدم القراءة

4%

صفحة القراءة 1 من 13

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة (أحمد حطيبة)

القسم: العقيدة

الكتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

المؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة

مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

النص المستمر — مقطع القراءة 11 / 13

http://www.islamweb.net

[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 13 درسا]

تاريخ النشر بالشاملة: 15 جُمادَى الآخرة 1432

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 1)

شرح كتاب فتح المجيد -‌‌ من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

النص المستمر — مقطع القراءة 12 / 13

لما كان التوحيد لب العبادة وأساسها فقد استحق من حقق كماله، وتخلص من شوائب الشرك، أن يدخل الجنة بغير حساب، وقد أثنى الله على إبراهيم بأنه كان أمة، لأنه حقق التوحيد.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 2)

‌‌بيان أن من حقق التوحيد دخل الجنة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

النص المستمر — مقطع القراءة 13 / 13

قال المؤلف: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120].

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:59].

وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: فقلت: أنا.

ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: قلت حديث حدثناه الشعبي.

قال: وما حدثكم؟ قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)].

النص المستمر — مقطع القراءة 14 / 13

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 3)

‌‌الكلام على قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة)

هذا الباب الثالث من كتاب التوحيد، وفيه من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وتحقيق التوحيد، أي: تخليصه، وتصفيته، وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، والمعاصي قال الله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:120 - 121].

لما حقق إبراهيم التوحيد لرب العالمين، استحق أن يكون أمة وحده، واستحق أن يمدحه الله عز وجل بهذه الصفة، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120]، الأمة: بمعنى القدوة في جميع أعمال الخير، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء، وكان يلقب بأبي الضيفان، وهو أحد الخمسة من أولي العزم من رسل الله سبحانه تبارك وتعالى، وقد جعل الله عز وجل ذريته على التوحيد الخالص ببركة دعوته قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم:35]، فجعل من ذريته الأنبياء الذين يدعون إلى ربهم سبحانه، فما جاء بعده نبي إلا وهو من ذريته عليه الصلاة والسلام.

وذكروا أن الله عز وجل مدح إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية بأنه حقق كمال التوحيد، وحسن العبادة، بل أحسن العبادة وأفضلها فوصفه بأنه: كان أمة: بمعنى: كان قدوة في الخير، وإماماً ومعلماً له.

النص المستمر — مقطع القراءة 15 / 13

وهناك فرق بين أن يكون إماماً وأن يكون أمة، فإنه إن يكن أمةً يدخل تحتها أن يكون إماماً، وإن يكن إماماً فلا يلزم أن يكون أمة، إذ الأمة هو الذي جمع خصالاً من الخير لا تجتمع إلا في أمة كاملة، فكأن خصال الخير التي في إبراهيم لا تجتمع لغيره من الناس فرادى، ولكن تجتمع لمجموعة من الناس، فلما قام إبراهيم وحده بذلك كان أمة.

قالوا: والإمام كل من يقتدى به ويؤتم به، سواء قصد ذلك وشعر به أو لم يقصده ولم يشعر به.

ولذلك فمن تقتدي به أو تسير على نهجه وهديه فهو إمامك، ومن ذلك تسمية الطريق إماماً، قال الله عز وجل: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر:79]، أي: طريق مسلوك يسلكه الناس فيعرفون أن ديار ثمود كانت هنا، وأن أصحاب الأيكة كانوا هنا، فالإمام كل من تقتدي به شعر بذلك أو لم يشعر.

أما الأمة ففيها زيادة معنى فوق معنى الإمام، فإذا كان الإمام الفرد الواحد، فالأمة المجموعة من الناس، ولكن قد تطلق الأمة على الواحد على اعتبار أنه جمع خصالاً مجموعة من الناس، وليس إنساناً واحداً، فلفظ الأمة يشعر بذلك، فقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل:120]، يعني: أن فيه خصالاً عظيمة من خصال الخير لا تكون إلا في أمة من الناس.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 4)

النص المستمر — مقطع القراءة 16 / 13

‌‌ابتلاء إبراهيم في أبيه وقومه

كان إبراهيم قدوة، وكان إماماً، وكان معلماً للخير؛ لتكميله مقام الصبر، ومقام اليقين، اللذين تنال بهما الإمامة في الدين.

وقد ابتلي إبراهيم عليه السلام بلاءً عظيماً، فاستحق أن يكون في النهاية خليل الرحمن سبحانه تبارك وتعالى، فقد ابتلي في نفسه، وابتلي في أبيه وفي أبنائه، وفي بلده، فقد كان قومه يعبدون الأصنام، فهاجر إلى بلاد الشام فوجدهم يعبدون الكواكب من دون الله عز وجل، فناظر هؤلاء وأولئك، فأما قومه فقد عصوا وكفروا وعبدوا الأصنام من دون الله سبحانه، وانتهى بهم الجحود إلى أن جعلوا له خندقاً وأضرموا وفيه النيران، ثم ألقوه فيها فنجاه الله سبحانه تبارك وتعالى، ثم تركهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتوجه مهاجراً من حران وهي ولاية في العراق إلى بلاد الشام {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات:99].

أما بلاؤه بأبيه فقد كان أبوه صانع الأصنام لقومه، فدعا أباه إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، قال سبحانه وتعالى عن دعوة إبراهيم لأبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:42 - 45].

فأبى أبوه إلا الاستمرار على ما هو فيه، قال الله حاكياً رده على إبراهيم: {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46]، أي: لأسبنك، ولأشتمنك، ولأطردنك، ولأرمينك بالحجارة.

النص المستمر — مقطع القراءة 17 / 13

فرد عليه إبراهيم كما حكى الله عنه: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:47 - 48].

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 5)

‌‌مناظرة إبراهيم لعباد الأصنام

اعتزل إبراهيم أباه وقومه وما يعبدون من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، ثم ناظر قومه، فلما رفضوا دينه عليه الصلاة والسلام وخرجوا إلى عيدهم توجه إلى أصنامهم، وقد جعلوا طعامهم تحت هذه الأوثان، ليتبركوا بها بزعمهم، آملين أنهم سيرجعون فيأكلون هذا الطعام الذي وضعوه تحت أصنامهم.

وكان إبراهيم معتزلاً قومه، وحين دعوه لعيدهم قال: إني سقيم، لن أخرج معكم إلى العيد، ثم توجه إلى هذه الأصنام فخاطبها خطاب تهكم قائلاً: ألا تأكلون، مالكم لا تنطقون، وهو يعلم يقيناً أنها لا تنفع ولا تضر، ثم هوى بمعوله محطماً لها قال تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات:93]، فكسر أصنامهم جميعها إلا واحداً، علق فأسه عليه.

النص المستمر — مقطع القراءة 18 / 13

وجاء القوم إلى أصنامهم، فقالوا كما أخبر الله عنهم: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:59 - 61]، فجاءوا بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم سألوه كما أخبر الله عنهم: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:62 - 63].

وفي الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن كانوا ينطقون فهم يصنعون ذلك ويكون كبيرهم قد فعلها، وإن كانوا لا ينطقون فهم لا يفعلون شيئاً، فاعقلوا إن كنتم تعقلون.

ولم يكذب كذباً صراحاً، وإنما عرض في الكلام.

فكانت إجابتهم حين عجزوا عن المحاجة استخدام القوة، قال تعالى: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات:97]، أي: اصنعوا له بنياناً فيه النار ثم ألقوه فيه، وأرادوا إلقاء إبراهيم فيها، فنجاه الله سبحانه تبارك وتعالى بقوله: كن، فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69].

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 6)

النص المستمر — مقطع القراءة 19 / 13

‌‌مناظرة إبراهيم لعباد الكواكب

وبعد أن نجا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر من هذه البلاد، قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} [الصافات:99]، أي: إني مهاجر وتارك هذا المكان الذي يعبدون فيه غير الله سبحانه، فتوجه إلى الشام.

ولما توجه إلى ديار الشام وجدهم يعبدون الكواكب والنجوم من دون الله عز وجل، فنظر متأملاً لهذه العبادة الباطلة، وأخذ يدعوهم إلى ربه سبحانه تبارك وتعالى ويسألهم: ما هذا الذي تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الكواكب وهذه النجوم، وحين جن عليه الليل رأى كوكباً فقال: هذا ربي وربكم، فلما أفل قام وكأنه يتفكر أمامهم، حتى يردهم عما هم فيه من باطل، فقال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام:76]، أي، كيف أعبد هذا الذي بعدما طلع وأضاء أخذ يتوارى ويظلم؟ إني لا أحب رباً بهذه الصورة.

والمقام من إبراهيم كان مقام مناظرة، وليس مقام نظر، ومقام المناظرة يتنزل فيه لبيان ضعف حجة الخصم، فأنت حين تناظر الخصم، تقول له: أنا أقول كذا، فيقول لك: وأنا أقول كذا، فتقول: لو فرضنا أن قولك صحيح فإنه ينبني عليه كذا وكذا، وأنت لا تعتقد صحة ما يقول، بل تقوله في مقام المناظرة.

ومنه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]، ففي الآية مقام التمانع أي: لو كان فيها آلهة غير الله لفسدت السموات والأرض، فلما لم تفسد السموات ولا الأرض، فإنه لا يوجد آلهة غير الله عز وجل، ومنه أيضاً قول الله عز وجل: {إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، على قول من أقوال المفسرين.

النص المستمر — مقطع القراءة 110 / 13

فالمراد أن إبراهيم كان في مقام المناظرة مع قومه، لا مقام النظر من الإنسان الذي لا يعرف فيطلب المعرفة وينظر ويتأمل حتى يعرف بعد ذلك، وحاشا لإبراهيم أن يكون كذلك، بل إبراهيم عرف ربه سبحانه تبارك وتعالى، فناظر على معرفته ولم يكن ناظراً يتفكر ويتأمل وهو لا يعرف، فكان يعرف يقيناً أن الله واحد لا شريك له، وأن الله خالق كل شيء سبحانه.

فلما قال لقومه: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام:76]، طلع عليهم القمر فقال: هذا ربي هذا أكبر من الأول قال تعالى حاكياً لقوله: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} [الأنعام:77 - 78]، أي: هذه أكبر شيء يرى من النجوم: {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:78 - 79]، فإذا به يصل في النهاية معهم إلى أن هذه لا تنفع ولا تضر، بل هي أشياء تبزغ ثم تنصرف بعد ذلك وتأفل، فلا تستحق أن تعبد من دون الله، وظل يناظرهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهم يأبون ذلك، فإذا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، يعتزل هؤلاء في عبادتهم لغير الله، بعد أن دارت بينه وبينهم مناظرات وثبته ربه سبحانه ونصره على هؤلاء كما نصره على الذين من قبلهم بالحجة والبرهان.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 7)

‌‌ابتلاء إبراهيم بذبح ولده إسماعيل

ثم ابتلى إبراهيم عليه السلام في ابنه، فقد أمره ربه سبحانه تبارك وتعالى: أن اذبح ولدك إسماعيل، فيصبر لذلك ويقول لابنه كما قال تعالى حاكياً عنه: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات:102]، يقول لابنه: إني أرى في المنام أني أذبحك.

النص المستمر — مقطع القراءة 111 / 13

فلم يقل ابنه إنها أضغاث أحلام مثلاً، ولكن قال كما أخبر الله عنه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ} [الصافات:102 - 106].

فإذا بالله عز وجل كلما يبتليه بشيء وينجح إبراهيم في الامتحان يضيف إليه خصلة من خصال الخير، ويزيده رفعة إلى أن بلغ في النهاية أن يكون خليل الله سبحانه تبارك وتعالى، وتلك المرتبة أعلى مرتبة يصل إليها بشر.

وكذلك كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن).

وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، فالخليل أعظم من الحبيب.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 5(ص: 8)

النص المستمر — مقطع القراءة 112 / 13

‌‌إبراهيم أبو الضيفان

النص المستمر — مقطع القراءة 113 / 13

اسحب أفقيًا بين صفحات القراءة، أو استخدم زري التالي والسابق.

يُحفظ الفصل والصفحة الحالية في حسابك.

ملاحظتي على الكتاب

تُحفظ الملاحظة في علامتك المرجعية الخاصة، ولا تظهر للطلاب الآخرين.