الفصل 1 من 4
النص المستمر — مقطع القراءة 1
تقدم القراءة
2%
صفحة القراءة 1 من 15
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة (أحمد حطيبة)
القسم: العقيدة
الكتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 13 درسا]
تاريخ النشر بالشاملة: 15 جُمادَى الآخرة 1432
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 1)
شرح كتاب فتح المجيد - من الشرك أن يستغاث بغير الله أو يدعى غيره
إن الاستغاثة التي هي طلب التحول من حال إلى حال، وطلب التحول من الكروب والهموم والشدة إلى الفرج واليسر، لا يجوز طلبها إلا من الله سبحانه وتعالى، ومن ظن أن هناك من يفرج الكروب، ويزيل الشدائد غير الله فقد أشرك مع الله غيره.
والاستغاثة تختلف عن الدعاء من بعض الوجوه فقط.
فالاستغاثة لا تكون إلا من مكروب مهموم محزون، بخلاف الدعاء فقد يكون من مكروب ومن غير مكروب والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ليحذر المسلم من الاعتداء فيه.
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 2)
الاستغاثة وحكم صرفها لغير الله سبحانه وتعالى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
هذا هو الباب الرابع عشر من كتاب فتح المجيد، وفيه من الشرك أن يستغيث المرء بغير الله، أو يدعو غيره.
قال الله تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس:106 - 107].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17].
وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5 - 6].
وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:62].
وروى الطبراني بإسناده، أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله).
يستغيث الإنسان بمعنى: يطلب الغوث، فهو يطلب تحول ما هو فيه من ضنك وكرب وشدة، فيغيثه ويجيره مما هو فيه، فيحول شدة الكرب إلى فرج ويسر وإلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى.
فكأن الاستغاثة: طلب إزالة الشدة التي وقع فيها الإنسان، واستعان بالله سبحانه وتعالى عليها، أي: طلب المعونة من الله سبحانه وتعالى.
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 3)
الفرق بين الاستغاثة والدعاء
يقول العلماء: الاستغاثة هي دعاء، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالدعاء أعم والاستغاثة أخص، فالاستغاثة تكون من مكروب، مثل إنسان واقع في كرب فيستغيث ويستجير ويطلب إزالة هذا الكرب ورفع هذه الشدة عنه، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من الإنسان في وقت البلاء وفي وقت الرخاء، والاستغاثة من أنواع الدعاء.
وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستجاب له في وقت البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء)، فإذا اعتاد الإنسان أن يدعو الله في الرخاء، كان جديراً أن يستجاب له في وقت نزول البلاء والشدة.
ومن الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غير الله سبحانه.
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 4)
معاني الدعاء
والدعاء له معنيان: فيأتي بمعنى التوحيد، وبمعنى التعبد، يقول تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر:14]، فادعوا الله أي وحدوا الله سبحانه وتعالى، وتوجهوا إليه وحده بالعبادة سبحانه وتعالى.
وقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55]، أي: متضرعين مبتهلين إليه مخفين دعاءكم.
والدعاء بالمعنيين مطلوب من العبيد، فيتقربون إليه سبحانه بالصلاة، فمعنى أن يصلي العبد لله عز وجل: أن يدعو الله سبحانه.
وجاءت الشريعة فجعلت لفظة الصلاة لهذه العبادة التي فيها هيئات وأدعية وقراءة وفيها دعاء لله تبارك وتعالى، فالصلاة عبادة والصلاة دعاء، وهذا أصل تسمية الصلاة.
فالغرض: أن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء، وهنا الصلاة تشتمل على الدعاء وعلى غيره، فيصلي العبد ويدعو ربه في صلاته موحداً الله سبحانه طالباً من الله فيقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5].
أي: نتوجه إليك بالدعاء وبالعبادة، طالبين منك أن تعيننا، فهو مسألة، فيكون عبادة ومسألة في الدعاء.
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 5)
أنواع الدعاء
والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ومعنى دعاء العبادة: التوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وهذا يدخل فيه المسألة.
والدعاء الآخر يكون مسألة الله سبحانه وتعالى، فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولهذا أنكر الله سبحانه على من يدعو أحداً من دونه سبحانه وتعالى، وقال: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} [المائدة:76]، فهم توجهوا إلى غير الله سبحانه فعبدوهم وطلبوا منهم، فطلبوا من اللاة، وطلبوا من العزى، ومن مناة، وطلبوا من غيرها من الأوثان التي اتخذوها آلهةً من دون الله، فقال الله موبخاً لهم، ومنكراً عليهم: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76]، وقال سبحانه على لسان المؤمنين: {قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأنعام:71].
أي: هل يعقل أن نطلب من غير الله سبحانه أن يكشف عنا ضراً، أو يجلب لنا نفعاً، مع أنه لا يستطيع أن ينفع نفسه ولا يضرها؟ قال: {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:71]، أي نستسلم ونذعن وننقاد ونطيع رب العالمين.
وقال: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ} [يونس:106] وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه أن يفعل، {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106]، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة.
فيقول له: أنت وأنت رسول الله لو غفلت ودعوت غير الله سبحانه لصرت من الظالمين، فغيره من باب أولى أن يكون كذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
والعبادة هي أن تتوجه إلى الله عز وجل بكل ما يحبه ويرضاه من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، فالإنسان يعبد الله سبحانه وتعالى، ويتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه سبحانه وتعالى من أقوال وأفعال ونوايا.
فلماذا تعبد الله تبارك وتعالى؟
الجواب
تعبده لأنه يستحق ذلك، وتعبده رغبة في ثوابه وجنته، وتعبده خوفاً من عقابه ونقمته.
فإذاً: أنت وأنت تتوجه إليه بالعبادة فإن هذا التوجه يتضمن أنك خائف من عذابه، طالب لرحمته وجنته، فإذاً العبادة تتضمن المسألة، أي: أنه داخل في داخلها.
والعبادة متضمنة للدعاء، والصلاة عبادة وهي تتضمن الدعاء بل إن من الدعاء ما هو واجب ولا تصح الصلاة بغيره مثل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] أي أنا أتوجه إليك يا رب! بهذه العبادة، وأطلب منك العون، وهذه مسألة فلو أنك لم تسأله ولم تقل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] لم تصح صلاتك.
فإذاً: الصلاة عبادة، وهي تتضمن الدعاء، وهذا معنى قول ابن تيمية رحمه الله: إن العبادة تتضمن الدعاء، وقال: كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
فدعاء المسألة هو كأن يقول العبد: يا رب! ارزقني مالاً، ونحوه، فأنت تسأل الله عز وجل، وكونك تتوجه إليه وتقول: يا رب! ولم تطلب من أحد غيره، فأنت تعبد الله سبحانه وتعالى وحده، وحين تقول: يا ربي! يا من خلقتني! يا من ربيتني! يا من أعطيتني! يا قادر على الإعطاء والمنع! أعطني كذا.
فكونك تطلب منه وحده فأنت تقر بأنه الرب الذي يملك ذلك سبحانه، فتتوجه إليه وحده فهو الإله المعبود، وهذا من دعاء المسألة الذي هو داخل في دعاء العبادة، إذاً: فكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
وسنضرب أمثلة مما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى، كقوله سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، فالدعاء هنا هو أن تطلب من الله سبحانه متضرعاً مخفياً ذلك، فلا ترفع صوتك بالدعاء؛ لأنك لا تدعو أصم ولا غائباً، إنما تدعو سميعاً بصيراً قريباً سبحانه وتعالى.
فالإنسان يدعو ربه متضرعاً له، متذللاً بين يديه سبحانه، خاشعاً متمسكناً.
وقوله: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55] المتعدي في دعاء الله سبحانه: هو الذي يطلب ما لا يكون لمثله.
وكذلك الذي يصرخ في دعائه لربه سبحانه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً).
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 6)
الإخلاص من أسباب استجابة الدعاء
قال الله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام:40]، أي: من الذي تسألونه أن يكشف الكرب في هذا الوقت: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام:41]، والأصل أن يقول: (بل تدعونه)، فقدم المفعول على الفعل للاختصاص، يعني: أنه يدعى وحده لا شريك له، {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام:41] سبحانه وتعالى.
ولاحظ قوله: (إِنْ شَاءَ)، أي: فإن شاء عجل لك ما تطلبه، وإن شاء لم يعطك عين الذي طلبت وأعطاك غيره، وإن شاء كشف عنك ضرك، وإن شاء جعل لك ذلك ثواباً في الآخرة، أما أن تطلب من الله شيئاً معيناً ولا تريد سواه فليس بلازم على الله أن يعطيك إياه، بل يعطيك ما يشاء سبحانه وتعالى.
وهنا تظهر عزة الله وحكمته وعلمه سبحانه، فهو يعطيك ما يشاؤه سبحانه وتعالى، ولذلك لما كان المشركون يدعون غير الله سبحانه وتعالى، ويقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء لا يملكون لكم شيئاً، اطلبوا من الله سبحانه وتعالى، قالوا: نتوسل بهم إلى الله سبحانه {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، فيسألونهم ويتقربون إليهم من أجل أن يوصلوا الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، والله يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186].
فربنا لا يحتاج إلى واسطة تكون بينه وبين العبد، بل إن العبد قريب منه.
فالله سبحانه قال لنا: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:41]، أي: إذا جاء وقت الضر نسي المشرك شركه وتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يطلب من غيره سبحانه، وقد قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18]، أي: المسجد بيت الله سبحانه، فإذا طلبت فاطلب منه وحده، ولا تشرك به سبحانه لا في دعاء عبادة ولا في دعاء مسألة.
وقال الله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} [الرعد:14]، فانظر إلى قوله سبحانه: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أي: لله عز وجل الدعوة الحق: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} [الرعد:14] أي: يدعون الأنداد الذين اتخذوهم من دون الله وهم لا ينفعون ولا ينتفعون، ولا يملكون شيئاً، {لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد:14]، وهنا تشبيه جملة بجملة، فشبه المشركين الذين يطلبون من آلهتهم أشياء وهي لا تعطيهم شيئاً، ولا تملك لهم شيئاً، كإنسان واقف أمام نهر، والنهر بعيد منه، وهو باسط يديه يقول للماء: تعال، والماء لا يأتي إليه، فالذي ينظر إليه يقول: هذا مجنون، إذ كيف يطلب من الماء أن يأتي إليه؟ فمثل هذا كمثل هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى آلهتهم، وهم يعرفون أنها لا تملك شيئاً.
قال: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} [الرعد:14]، أي: في ذهاب وفي تيه وفي باطل، ولا يفلح صاحبه.
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة - جـ 13(ص: 7)
الدعاء يشمل أنواع التوحيد الثلاثة
وأمثلة دعاء المسألة في القرآن أكثر من أن تحصر، فأنت حين تقول: يا رب! اكشف عني هذا الضر، فهنا كأنك تقول: يا ربي! أنا أوحدك، وأنا أعبدك، وأنا مستيقن أنك وحدك الذي تملك ذلك، ولذلك أنا أتوجه إليك.
ويدخل في هذا جميع أنواع التوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فأنت تجمعها عندما تقول: يا رب! أعطني، لا يملك أن يعطي إلا أنت، ولا يملك كشف الضر إلا أنت، فأنا أتوجه إليك بهذا الدعاء.
فأنت عندما قلت: يا ربي! أتيت بتوحيد الربوبية، فهو وحده الرب الذي يملك ذلك.
ولما قلت: أنا أتوجه إليك فأعطني.
فيه توحيد الألوهية، ولما قلت: إنه لا يملك أن يعطي إلا أنت ولا يملك أن يمنع إلا أنت، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فهذا إقرار بصفاته سبحانه وهي أنه سبحانه الملك الذي يخلق والذي يرزق والذي يغفر سبحانه وتعالى، فلذلك دعاء المسألة يتضمن العبادة، وإن لم يكن في دعائك ذكر العبادة، إنما مقتضى دعاء المسألة أنك تعبد الله سبحانه وتعالى؛ لأنك توجهت إليه وحده.
اسحب أفقيًا بين صفحات القراءة، أو استخدم زري التالي والسابق.
